إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 3 فبراير 2015

رؤية إسرائيلية : حزب الله ليس مردوعاً



ارتكزت المواقف المفصلية في الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله على حقيقة أن المقاومة «ليست مردوعة، ولكنها حكيمة». هذا التوصيف ـ الموقف ينطوي على أهمية استراتيجية من منظور إسرائيلي، سواء لكون الردع يشكل أحد المداميك الاساسية للنظرية الامنية الاسرائيلية، أو لما قد يترتب على ذلك من تقديرات ومسارات وخطوات عملانية تتصل بالامن القومي الاسرائيلي

يكاد مفهوم الردع يكون أحد أكثر المصطلحات رواجاَ في الساحة الاسرائيلية، وتحديداً على ألسنة القادة العسكريين والباحثين. ويعود ذلك، بحسب أحد أهمّ المنظرين الاستراتيجيين يتسحاق بن يسرائيل، الى أن «مفهوم الردع في إسرائيل يختلف تماماً عن مفهوم الردع الذي تستخدمه شعوب العالم في الادبيات المهنية».

لذلك، فإن هدف إسرائيل في الحروب التي تخوضها ليس «الانتصار فحسب، بل إعادة الردع، وهذا هدف خاص جداً». وبرر بن يسرائيل ذلك بأن النظرية الأمنية الاسرائيلية كلها ترتكز على فكرة أن كل ما نسميه حروباً هو في الواقع جولات في حرب واحدة طويلة.
ورغم اقتناع غالبية لدى العدو بأن حزب الله مردوع مقابل مردوعية إسرائيل، صدرت في المقابل تقديرات عدة مغايرة حذرت من مفاعيل الوقوع في هذا التقدير الخاطئ، وتستند الى أن هناك تفسيرات أخرى لامتناع الحزب عن استهداف إسرائيل في المراحل السابقة، غير قوة الردع الاسرائيلية.



ومن هؤلاء، الباحث في التاريخ العسكري والنظريات القتالية ياغيل هنكين، الذي تناول هذه المسألة في بحث طويل نشره «معهد أبحاث الامن القومي» (كانون الاول 2014)، وأكد خلالها أن امتناع حزب الله عن المبادرة خلال المرحلة الماضية ليس ناتجاً من قوة الردع الاسرائيلية، بل لانشغاله بأولويات أخرى فرضتها التطورات في لبنان والمنطقة. وأوضح هنكين أن الردع هو «تهديد صريح أو عبر التلميح، باستخدام القوة بهدف منع الحاجة الى استخدامها و/ أو إنتاج وضع يكون فيه من الواضح للعدو أن فائدة استخدام القوة ستكون أقل من الضرر الذي سيلحق به». وأضاف: «في إسرائيل يُستعمل المصطلح لدى استخدام القوة بشكل محدود (على سبيل المثال عمليات انتقامية) لدفع العدو الى الامتناع عن استخدام قوة مضادة ضدنا». ولفت الى أن الردع مرتبط دائماً بسياق واعتبارات الكلفة والجدوى. وتتوقف فاعلية الردع في اللحظة التي يعتقد فيها العدو بأن الجدوى تتغلب على الاخطار. ولفت الكاتب الى أن هناك نظريات كثيرة حول موضوع الردع المتصل بالدول فقط، لكن السؤال الاساسي هو إلى أي مدى يعتبر هذا الردع ذا صلة تجاه جهات مثل حزب الله؟ وتوقف عند أحد مكامن قوة الحزب بالقول إن «الغزو البري هو تقريباً تهديد دائم بالنسبة إلى الدول، لكن من ناحية حزب الله، قد يكون هذا الغزو فرصة له لجذب العدو الى مواجهة بشروط يتمتع فيها بتفوق كمنظمة وليس كدولة». مع ذلك، يضيف هنكين أن صعوبة البحث عمّا يردع خصماً ليس دولة، «لا يعني أن أي أمر لا يردعه، لكن من المهم عدم الافتراض مسبقاً أن الوسائل الناجعة لردع الدول يصح استخدامها ضد جهات ليست دولاً».
 
وأسهب الباحث في تناول محطات استند إليها الاسرائيليون للدلالة على أن حزب الله مردوع، وأثبت خطأها من خلال تفسيرات أخرى. وأوضح أن كثيرين في إسرائيل اعتبروا الهدوء الذي ساد الحدود مع لبنان نتيجة لقوة الردع الاسرائيلية. لكنه دحض هذه المقولة بالتأكيد أن حزب الله «كفّ تقريباً عن العمل ضد إسرائيل بعد حرب لبنان الثانية، لأنه لم يكن هناك حاجة إلى ذلك، وبسبب انشغاله بمواضيع أخرى». وعرض سلسلة طويلة من المحطات التي كانت محور نشاط حزب الله، من حاجته الى مراكمة قدراته العسكرية وتطويرها، الى بناء ما تم تدميره خلال الحرب، الى المفاوضات حول تبادل الاسرى التي استمرت حتى عام 2008... الى العديد من المحطات الداخلية اللبنانية. وتوقف في شكل بارز أمام إنشاء المحكمة الدولية واستقالة الوزراء الشيعة من الحكومة اللبنانية وقرارات 5 أيار وأحداث 7 أيار التي تلتها، وصولاً الى تشكيل حكومة جديدة «يملك فيها حزب الله الفيتو»، بحسب هنكين. وقال إن أولمرت رأى عام 2008 أن هناك «ردعاً بارزاً لحزب الله على خلفية المواجهة التي خاضها (2006)، وأنه مشغول بترميم مكانته السياسية». لكن الواقع أن الاحداث التي واجهها في ربيع ذلك العام (أحداث أيار 2008) لا علاقة لها بكونه مردوعاً من قبل إسرائيل، بل هي «استغلال نجاح، وليست ترميماً لمكانته السياسية بل تعزيزها».
 
وخلص هنكين إلى ان التمعن في هذه المحطات يثبت أن الخوف من إسرائيل ليس هو الذي أثر في نشاطات حزب الله، بل ربما لم يكن عاملاً أساسياً. واقتبس عن أحد الخبراء الاسرائيليين قوله إن امتناع الحزب عن تسخين الجبهة ضد اسرائيل يعود الى أن «قوته الصاروخية تستهدف إنتاج ردع ضد إسرائيل لمنعها من مهاجمة البرنامج النووي الايراني». ورأى هنكين أن «عدم مهاجمة حزب الله لإسرائيل خلال هذه الفترة، يعتبر خطوة تكتيكية بهدف عدم إرباك عملية بناء قدراته العسكرية والصاروخية»، لافتاً الى ارتداع إسرائيل خلال الفترة الماضية عن «شنّ هجمات عسكرية علنية ضد الحزب، قبل بدء الاحداث في سوريا، تستهدف بناء قدراته الصاروخية، واكتفائها بالتوجه الى الامم المتحدة».
ومع إشارته الى أن حزب الله امتنع عن العمل بشكل مباشر وعلني ضد إسرائيل حتى عام 2013، أشار في المقابل الى إرسال الحزب طائرة من دون طيار للتحليق في العمق الاسرائيلي (تشرين الاول 2012). وفي الضربات المباشرة، لفت الى أن حزب الله نفذ في آب 2013 كميناً ضد قوة إسرائيلية تسللت الى الاراضي اللبنانية أدى الى جرح 4 جنود. كذلك عرض لاتهامات ضد حزب الله حول مسؤوليته عن تنفيذ أو محاولات تنفيذ عمليات في العديد من مناطق العالم، وصولاً الى تفجير بورغاس في بلغاريا عام 2012 ولفت إلى محاولات لتنفيذ عمليات ضخمة لم تنجح رداً على اغتيال عماد مغنية.
 
وخلص الباحث الاسرائيلي الى أن من المحتمل أن يكون ما يدافع عن إسرائيل في المرحلة الحالية، ليس فقط قوة الجيش الاسرائيلي، بل أيضاً المشاكل التي يواجهها حزب الله وأهدافه وانشغالاته الأخرى. وأكد أن حزب الله لن يسلِّم بإسرائيل ولن يعترف بوجودها، «وينبغي أن نفهم أن إسرائيل لا تشكل دائماً القضية المستعجلة بالنسبة إليه». وحذر من كون السؤال «هل حزب الله مردوع» ليس مسألة نظرية فقط، بل إن الخطط العملانية لإسرائيل، سواء ضده أو ضد أطراف أخرى، يمكن أن تفشل إذا ما ثبت عدم صحة هذه الفرضية. وفي موازاة ذلك، إذا كان امتناع حزب الله عن العمل ضد إسرائيل يعود الى أسباب أخرى لا سيطرة لها عليها، فمن المحتمل حينئذ أن يكون نشاطه الحربي أقرب مما يعتقد.
 
في نهاية بحثه، حذر هنكين من الاعتقاد المبالغ فيه بقوة ردع إسرائيل ضد الحزب لأنه يمكن أن يؤدي الى قلة المبالاة. لكن ما لم يخطر على باله أن يندفع الثنائي نتنياهو ـ يعلون، بعد أسابيع قليلة على نشر بحثه، واستناداً الى هذا الاعتقاد المبالغ به، الى توريط إسرائيل في مغامرة في القنيطرة، أدت الى ردّ مؤلم في مزارع شبعا، والى إعادة رسم معادلات الردع وفق صيغة جديدة أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.
علي حيدر
الاخبار اللبنانية 

الاثنين، 2 فبراير 2015

القاهرة تدفع فاتورة تبدل الأولويات السعودية.

جرى صراع حول الخلافة في السعودية بين جناح الملك الراحل عبدالله والجناح السديري كما هو معروف ومذاع، ولكن صراعاً آخر مستتراً ومتكتماً عليه حتى الآن يدور حول رؤى جناحي الحكم السعودي بخصوص الأولويات والتحالفات الإقليمية. الصراع المتكتم عليه أهم بكثير من المنظور الإقليمي والجيو ـــ سياسي من الصراع المعروف، والسبب أنه يطال دولاً وجماعات وتحالفات جديدة بين دول المنطقة. ولأن السياسة الإقليمية والخارجية لأي دولة هي في الواقع انعكاس لسياساتها الداخلية، فمن المنطقي أن تنعكس التغييرات الداخلية الجارية في السعودية في قمة هرم السلطة وفي هياكل المؤسسات على سياسات إقليمية مختلفة للملكة ـــ إلى حد ما ـــ عن تلك لدى الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز. داخلياً، لا خلاف على أن أولوية السلطة السعودية هي بقاء الأسرة المالكة عبر الآليات التي استقرت عليها تجربة الملك المؤسس عبد العزيز، حتى برغم مواجهتها تحديات اجتماعية متعاظمة في السنوات الأخيرة، وبرغم التنافس بين أجنحة العائلة الحاكمة. دولياً أيضاً ليس هناك نقاش سعودي يجري بين أجنحة العائلة الحاكمة حول جوهر التحالف الدولي للملكة، ذلك الذي دشنه الملك المؤسس مع الرئيس الأميركي الراحل روزفلت العام 1945 وفقاً لمسار المصالح المشتركة وعلى الشرائط المعلومة. باختصار غير مخل وبمنطق استبعاد الخيارات حتى، ستظهر على الصعيد الإقليمي أولويات الحكم السعودي الجديد في المرحلة المقبلة.

الأولويات الإقليمية للملك الراحل

شهدت المنطقة بعد 30 يونيو/حزيران 2013 خريطة جديدة للتحالفات الإقليمية ملخصها الأساسي إطاحة جماعة «الإخوان المسلمين» من السلطة في القاهرة، مع تراجع واضح للمحور التركي ـــ القطري وبقاء المحور الذي تقوده إيران على حاله، في مقابل زيادة حضور المحور الذي قادته السعودية مع الإمارات والأردن بعودة مصر إليه. هكذا أصبحت أولوية «مكافحة الإرهاب» وجماعة «الإخوان المسلمين» علماً على سياسات المملكة الإقليمية، الأمر الذي تلاقى مع أولويات ورؤى ومصالح الدول المنضوية في «محور الاعتدال»، أي الإمارات ومصر والأردن. ولأن التغيير في مصر اصطدم مع رؤى البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومراكز مؤثرة أخرى داخل الولايات المتحدة الأميركية بإدماج جماعة «الإخوان المسلمين» في هياكل السلطة ببلدان «الربيع العربي»، فقد جرى تمتين التحالف بين «محور الاعتدال» العائد في ثوبه القشيب الجديد مع مؤسسات أميركية وازنة أخرى تتشارك مع رؤيته لأولوية «مكافحة الإرهاب» مثل البنتاغون ومراكز الضغط والمصالح الأميركية المرتبطة به والدائرة حوله. وبالتوازي مع ذلك، بذل «المحور الجديد ـــ القديم» محاولات دؤوبة لعزل تركيا سياسياً عن المنطقة، وللضغط على قطر وهما الحليفتان الإقليميتان للجماعة التي أصبحت «محظورة» في مصر والسعودية والإمارات. وفيما رتبت الأولوية الإقليمية للملك السعودي الراحل دعماً سياسياً واقتصادياً للحكم المصري الجديد، في محاولة لتحييد «الخطر الإخواني» على المملكة، مع إعفاء الأخيرة من عبء المواجهة الإعلامية والسياسية مع تركيا، فقد تحولت تبعة ذلك إلى النظام المصري ووسائل إعلامه. وحتى مبادرة المصالحة التي أجراها الملك الراحل في الشهور الأخيرة مع الدوحة، استهدفت في الواقع المزيد من العزلة التركية عبر تحييد شريكها القطري. وحتى لا ينفلت الخلاف السعودي ـــ التركي أيام الملك الراحل من عقاله انفلاتاً يضر بمصالح المملكة، فقد عمدت الرياض في الوقت ذاته إلى سياسة الموازنة التي اشتهرت تاريخياً بها، عبر استمرار التعاون الاقتصادي بين الرياض وأنقرة بوتيرة عالية من دون صخب كثير، ومن خلال إيداعاتها النقدية القصيرة الأجل في المصارف التركية، وهو أمر يجري دورياً حتى كتابة هذه السطور، وهو ما لطّف كثيراً من الضغوط المتوالية على الليرة التركية أمام العملات الدولية.

الأولويات الإقليمية للحكم السعودي الجديد

ترافق الإعلان عن وفاة الملك عبدالله مع دخول الحوثيين إلى العاصمة اليمنية صنعاء، في ترجمة عملية لموازين القوى الإقليمية المختلة لمصلحة إيران في صراعها الإقليمي مع السعودية. ولخص التزامن بين إعلان الوفاة وسقوط صنعاء بيد الحوثيين التوازنات الإقليمية الراهنة على نحو فريد وملموس في آنٍ معاً. هكذا ترافق التغير في شخصية الحاكم السعودي مع تغير في الرؤية الإقليمية والأولويات، ما يستتبعه في الواقع اجتراح سياسات وتحالفات مختلفة عن تلك التي استقرت عليها السعودية في السنتين الأخيرتين. يرى الجناح السديري ممثلاً في الملك سلمان والرجل القوي في تراتبية الحكم الجديدة الأمير محمد بن نايف أن إيران ما زالت تمثل الخطر الأكبر على المملكة وحضورها الإقليمي، وهو ما تمظهر بوضوح في نتائج ساحات المواجهة الإقليمية بين الغريمين طهران والرياض، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن أو حتى سوريا التي لم يسقط نظامها حتى الآن. ويعني ترتيب الأخطار على هذا النحو، توزيعاً جديداً للأولويات تتقدم بموجبه أولوية «مواجهة الخطر الإيراني» على أولوية «مكافحة الإرهاب». وبدوره يقتضي ذلك الأمر ترتيباً جديداً للتحالفات، بهدف حشد «الكتلة السنية» الأوسع في المنطقة لرفد السعودية في مواجهتها مع إيران ومحورها. هنا يتجاوز التغيير في السعودية الحدود السياسية للمملكة، ويتعداها إلى خريطة التحالفات الإقليمية في المنطقة، وهي النتيجة الأهم من المنظور الإقليمي والجيو ـــ سياسي

جوهر التغيير المحتمل

يتطلب التحالف مع تركيا وقطر بداهة، تلطيفاً للصراع مع جماعة «الإخوان المسلمين»، ليس على قاعدة عودتها إلى السلطة، فهذا أمر لا تقدر عليه السعودية ولا تريده حتى، بل على أساس تلطيف المواجهة مع الجماعة. والوسيلة الأفضل للقيام بذلك ـــ من المنظور السعودي الجديد ـــ تتم عبر إجراء «مصالحة داخلية» مع «الجماعة المحظورة»، بحيث لا تعود كذلك، بل تندمج في النظم السياسية لبلدانها بغرض تحييدها كعائق أمام تمتين «التحالف السني الأوسع» بين السعودية وتركيا. هنا يبدو أن فاتورة الأولوية السعودية الجديدة سيتم تحويلها، بمنطق الأمور، إلى القاهرة لسداد الثمن السياسي، ما يصطدم بشدة مع رؤية النظام المصري لأولوياته الداخلية والإقليمية. وفقاً لتلك المعطيات وذلك التبدل في الأولويات السعودية، يمكن تفسير مجموعة من الأحداث قد تبدو متناثرة للوهلة الأولى وإعادة ربطها في سياق متكامل: لقاءات بين شخصيات من المعارضة المصرية في الخارج والقريبة من جماعة «الإخوان المسلمين» مع ممثلين للجناح السديري الحاكم في السعودية جرت قبل حوالي شهرين، عودة الإعلام القطري للضغط على النظام المصري منذ الإعلان عن وفاة الملك السعودي الراحل، زيارة وفد قريب من جماعة «الإخوان المسلمين» للخارجية الأميركية قبل أيام، وزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لـ «تعزية» الملك السعودي الجديد قبل أسبوع.

ترتسم تغيرات إقليمية كبرى في الأفق بالتوازي مع التغيير الجاري في قمة السلطة السعودية وهياكلها وتراتبيتها، بحيث تتأسس السياسة الإقليمية الجديدة على أولوية مواجهة «الخطر الإيراني». بدورها، تعني الأولوية الإقليمية الجديدة للسعودية عملياً تصديع «محور الاعتدال» الذي كان والنظام المصري في القلب منه، إذ سيصبح الأخير مطالباً بدفع الفاتورة السياسية للأولوية السعودية الجديدة: تشكيل «محور سني كبير» يضمها إلى تركيا. في الواقع، ستدفع القاهرة وفقاً للأولوية السعودية الجديدة ثمناً كبيراً لضيق هامش مناورتها الإقليمية، في ظل علاقة غير متكافئة مع الرياض ولا تتسم بالحد الأدنى من الندية على مدار العقود الأربعة الأخيرة من دون استثناء. وعلى كل حال، يتمثل التناقض البنيوي للتحالف السعودي ـــ التركي الجديد، ذلك الراغب في مواجهة إيران في كون الأخيرة تفاوض نووياً وديبلوماسياً منذ سنوات الجناح الأميركي ذاته (إدارة أوباما والخارجية الأميركية) الذي يشكل الغطاء الدولي للتحالف «السني الكبير»، ما سيقيد موضوعياً من قدرة المعسكر السعودي ـــ التركي على الصدام مع إيران!

دكتور مصطفى اللباد
السفير اللبنانية



الأحد، 1 فبراير 2015

سلمان ملكاًً: عهدٌ آخر في زمن مختلف



لا بد من وقفة تأمل أمام التغييرات التي شهدتها السعودية مع رحيل مليكها عبدالله بن عبد العزيز وتولي ولي عهده الأمير سلمان العرش، مع فريقه الذي حرصت أجهزة إعلام المملكة على وصفه بأنه من «جيل الشباب».
ذلك أن الملك الراحل عبدالله شكّل علامة فارقة في الحياة السياسية العربية، متجاوزاً في مبادراته وقراراته كما في أقواله سلفه الملك فهد بن عبد العزيز، مجتهداً في محاولة تصفية الخلافات العربية ـــ العربية وتوحيد الموقف العربي ولو على قاعدة الحد الأدنى في مواجهة التعنت الإسرائيلي (مبادرته في القمة العربية في بيروت 2002).
لقد رأى بعض المتابعين لشؤون المملكة المذهبة والعلاقات في ما بين «أجنحة» العائلة المالكة في هذه التغييرات التي أنجزت بسرعة قياسية، وبضربة واحدة، اهتماماً بإعادة تثبيت الحكم على قاعدته التاريخية التقليدية: الملك والفقيه... أي الأسرة السعودية بالتحالف مع سلالة الإمام محمد بن عبد الوهاب منظّر السلفية التي باتت تُعرف بعده بالوهابية والذي يتحدر منها آل الشيخ، وهي «المؤسسة» التي نالت الحق بالتحليل والتحريم وأشرفت على التشريع وبنت أجهزة تنفيذية لضمان الالتزام بالشرع كما تفهمه (بينها جهاز المطاوعة الشهير لقمع المخالفين والمخالفات في السلوك أو في اللباس، والذي تراجع ظهور أفراده الملتحين بعصيهم الطويلة في الشوارع والتعرض للمارة والعابرين، ولو كانوا من أعضاء السلك الديبلوماسي الأجنبي..).
لكأن الملك سلمان قصد بإنجازه السريع في تثبيت الصياغة الجديدة لولاية العهد بتسمية ولي لولي العهد، كما في إعادة تشكيل الحكومة وتعزيزها بالكفاءات الشابة، وحل العديد من المجالس والهيئات التي كان قد أنشأها الملك الراحل، إعادة إبراز الوجه الأصلي «الوهابي» للحكم والذي كان الملك عبدالله قد حاول التخفيف من صرامته حين اختار للشؤون الدينية «معتدلاً» من الوهابيين، بل «مستنيراً» كما يصفه بعض من عرفه، وكذلك عبر اندفاعه إلى شيء من التحديث باعتماد مؤسسات عصرية في مجالات التربية والتعليم، وتطوير مجلس الشورى بإدخال العنصر النسائي (ولو محجَّباً) فيه كمؤشر على الاعتراف بالمرأة كشريك ولو ثانوي، في القرار.
ومع تولي الأمير محمد بن نايف، منصب وزير الداخلية إلى جانب كونه ولي ولي العهد، وهو المعروف بصرامته برغم أنه خريج بعض الجامعات الأميركية وله حظوة في البيت الأبيض حيث التقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما مرتين، في مناسبتين مختلفتين ولكن لهما دلالتهما، فمن الطبيعي توقع المزيد من التشديد مع محاولات الانفتاح والتقدم نحو حياة مدنية تقترب من الانتساب إلى العصر في البلاد التي كانت توصف بمملكة الذهب الأسود والصمت الأبيض.
ولقد اشتهرت عن الأمير محمد بن نايف، الذي ينظر إليه كثيرون على أنه «الملك التالي»، شجاعة المواجهة مع «الخارجين على القانون»، ويذكر له أنه ذهب بنفسه للتعزية بضحايا الإرهاب في القطيف، اثر التفجير الذي هزها مؤخراً، ودخل إلى «الحسينية» ليشارك أهل العزاء من الشيعة في بادرة غير مسبوقة.
كما يستذكر البعض تصريحاً لافتاً للأمير محمد قال فيه ما نصه: «لقد آن الأوان لبذل الجهود للقضاء على الإخوان المسلمين»... فالإخوان، في عرف الوهابية، قد أخذتهم المدنية الغربية بعيداً فانحرفوا عن أصول الدين الحق.
وبين المؤشرات على تشدد «عهد سلمان» إعادة توطيد الشراكة مع المؤسسة الدينية على قواعد من شأنها مسح الانفراج الذي كان قد أشاعه الملك عبدالله في الداخل.. واستتبعه بشيء من الانفتاح على تيارات سياسية متعددة في المحيط العربي (والإسلامي) طالما نظرت إليها المؤسسة الدينية السعودية على أنها من «الخوارج» بل ومن «الخارجين على الدين»، ولعل موقف الأمير محمد من «الإخوان» يعبّر عن هذه النظرة.
ويمكن اعتبار هذا التوجه، الذي تعتمده أيضاً دولة الإمارات بشخص ولي العهد فيها الشيخ محمد بن زايد، بين أسباب الافتراق عن تركيا (وقطر؟)، وبالمقابل: بين أسباب التحالف المفتوح مع حكم المشير السيسي في مصر القابل للتمدد في اتجاه ليبيا، والذي قد يحد من ثبات الشراكة بين الحكم التونسي الجديد والإخوان ممثلين بحزب النهضة.
وأما العلاقة مع كل من العراق وسوريا فسقفها أميركي، وإن استمر التباطؤ في تعديل الموقف من دمشق لارتباطه بموقف المملكة من إيران والذي يشهد الآن تدهوراً خطيراً نتيجة ما تعتبره الرياض تدخلاً غير مقبول في اليمن سيكون له تأثيره المباشر على العلاقات بين «الجارين اللدودين»، بالرغم من شبكة المصالح التي تجمعهما بعنوان النفط... والتي أثرت عليها أزمة حكم اليمن سلباً فحولتها إلى «جبهة حرب إيرانية ضد السعودية..».
يبقى ضرورياً التنويه بأن نسبة غالبة من الوزراء الجدد يأتون من مناطق وعائلات وهابية المناخ، تاريخياً، كنجد ومحيطها وبينها القصيم وحوطة بني تميم، ومنها آل الشيخ وآل نفيسة والعساف (وزير النفط الدائم برغم تجاوزه سن الثمانين).. كذلك فبعض الوزراء الشبان هم بين من كانوا في مكتب الملك سلمان خلال عهده الطويل جداً كأمير للرياض.
إنه عهد آخر جديد يختلف ليس فقط عن عهد عبدالله بل حتى عن عهد فهد. إنها ـــ بتعبير آخر ـــ عودة إلى الجذور الوهابية... من دون إغفال للأثر البالغ الذي تركته زيارة التعزية المفاجئة التي جاء فيها الرئيس الأميركي أوباما (قاطعاً زيارته الهند)، ومعه زوجته (التي افتقدت الصحبة والترجمة) وذلك الوفد الحاشد من وزراء الخارجية السابقين ورؤساء أجهزة المخابرات في العهود الأميركية المختلفة، لا فرق بين «ديموقراطي» و»جمهوري» في عيون الأسرة التي يتسنم العرش فيها الآن الملك السابع من ذرية الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود.
إنه عهدٌ آخر، في زمن مختلف.
 طلال سلمان 
السفير

هآرتس : الحرب مقبلة



من الجائز أن الأمر انتهى. كما بدت الأمور أمس، يبدو أن الهدوء النسبي عاد إلى الحدود الشمالية. وحسب الرسائل المتبادلة بين إسرائيل و«حزب الله» منذ ظهر أول أمس، بوساطة قوات اليونيفيل والجيش اللبناني، فإن الجانبين يريان في هجوم «حزب الله» في سفوح جبل الشيخ الذي قتل فيه قائد سرية ومقاتل في لواء جفعاتي، أمرا منتهيا، على الأقل في الجولة الحالية.
والحوادث في الأسبوعين الأخيرين ـــ عملية الاغتيال المنسوبة لإسرائيل في الأراضي السورية، التي قتل فيها الجنرال الإيراني وستة من نشطاء «حزب الله»، إطلاق الصواريخ من سوريا إلى جبل الشيخ والجولان، وإطلاق صواريخ مضادة للدروع على قافلة جفعاتي ــ تشهد ربما على انتهاء مرحلة في الشمال. فبعد حرب لبنان الثانية صيف 2006 ساد هدوء نادر على الحدود، كان ينتهك في فترات متباعدة. وقد خرج الجانبان من تلك الحرب تَعِبَين، وبعدها فَضَّلا تجنب الصدام المباشر والتركيز على حلبات أخرى، فيما كانا يعدان نفسيهما لجولة ممكنة أخرى.
ولكن في السنة الأخيرة يحدث في الشمال أمر جديد. العاصفة الهائلة الجارية في سوريا منذ حوالي أربعة أعوام، تنزلق تدريجيا إلى خارج حدودها. ونتيجة لذلك تنشأ جبهات فرعية جديدة: «حزب الله» يرسل آلاف المقاتلين إلى سوريا لمساعدة نظام الأسد في معركته من أجل البقاء، وإسرائيل تعلن أنها ستعمل على إحباط انتقال قوافل السلاح من سوريا إلى «حزب الله» في لبنان، ومنظمات المعارضة السورية تسيطر بشكل دائم على معظم المنطقة الحدودية مع إسرائيل في الجولان، وبعض هذه المنظمات يقيم معها علاقات سرية، فيما إيران وحزب الله يتمركزان في الطرف الشمالي للحدود ذاتها بهدف استخدامها كقاعدة عمليات ضد إسرائيل في هضبة الجولان.
ونتيجة للاهتزازات نشأت لدى الأطراف شبكة معقدة من المصالح، جديدة جزئيا، تنزلق بين الحين والآخر إلى صدام موقت. لكن الهدوء المتواصل منذ 40 عاما في الجولان منذ حرب يوم الغفران 1973، وسبع سنوات في لبنان بعد 2006، مضى ولن يعود كما يبدو. ومنطقي أكثر توقع استمرار جولات الضربات المتناوبة، ضربة، رد فعل وضربة مضادة، بعدها تدور اتصالات محمومة عبر تدخلات دولية، في محاولة لمنع حرب شاملة.
والوضع في مثلث الحدود الشمالية يبدأ بتذكيرنا بقطاع غزة، التي شن فيها الجيش الإسرائيلي ثلاث عمليات كبرى على مدى خمس سنوات ونصف. ومع ذلك ثمة هنا فارق جوهري بين الحلبتين وهو يكمن بقوة الدمار المتبادل. وسواء في غزة أو الشمال، يملك الجيش الإسرائيلي تفوقا عسكريا بارزا على خصومه، لكن الضرر المحتمل إلحاقه بإسرائيل من قبل «حزب الله»، في الجبهة والجبهة الداخلية، أكبر بما لا يقاس من الضرر المحتمل إلحاقه بها من قبل حماس في الجنوب. وتبعا لذلك، فإن بوسع إسرائيل (ويبدو أنها ستضطر) لأن تضرب بشكل مكثف البنى التحتية المدنية الأكثر تقدما للدولة اللبنانية، إذا نشبت الحرب.
وهذه الوقائع تحصن ظاهريا ميزان الردع بين الطرفين، وتساعد في إبعاد الحرب. لكن بسبب أن الأمور تجري في المنطقة بشكل سريع جدا وغير متوقع، ومرارا من دون قصد صريح من الطرفين، فإن حربا مستقبلية في الشمال، في السنوات القريبة، لم تعد مجرد سيناريو متطرف وغير متوقع.
وحدة نخبتهم الأركانية
يوم الخميس، 15 كانون الثاني، بثت قناة المنار مقابلة مع الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله أشار فيها إلى مهاجمة قوافل السلاح التي ينسبها حزبه (والأسرة الدولية بأسرها) لإسرائيل. وقال إن الرد على الاستفزازات الإسرائيلية، «ربما يأتي في كل لحظة... فمحور المقاومة لن يصمت على كل هجوم في سوريا». وفي إسرائيل فسروا كلامه كتلميح على نية «حزب الله» استغلال الجولان لعمليات ثأرية، من منطلق الرغبة في تجنب التصعيد على الحدود اللبنانية التي يمكن أن يكون الرد الإسرائيلي بواسطتها شديدا في جنوب لبنان.
وفي الخلفية تراكمت معلومات استخبارية حول تحضيرات «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني على الحدود. بنى تحتية جديدة، قوة نخبة من عشرات المقاتلين بقيادة جهاد مغنية، تم تدريبها على أعمال إرهابية معقدة نسبيا يريد التنظيمان استخدامها على حدود الجولان. وزعم هذا الأسبوع مسؤول كبير في المؤسسة الأمنية صاحب خبرة في العمليات الخاصة أن «هذه هي سييرت متكال خاصتهم» لا أقل. وكان يفترض أن تنفذ قوة مغنية عمليات معقدة من الجولان: إطلاق نيران قناصة وصواريخ مضادة للدروع متطورة، بل وحتى تنفيذ عمليات كوماندوس على موقع للجيش الإسرائيلي أو مستوطنة إسرائيلية. من المشكوك فيه أن تكون الخطط قد نضجت لتنفيذ عمليات فعلا، لكن في إسرائيل يزعمون أن البنى التحتية كانت قريبة للانتقال إلى مرحلة الفعل.
وبعد ثلاثة أيام تم قصف قافلة القادة وفيها مغنية، خمسة نشطاء ميدانيين مركزيين في البنية والجنرال الإيراني. وجاء رد «حزب الله» أسرع من المعهود عنده ـــ تسعة أيام قبل إطلاق كاتيوشا قصيرة المدى في الجولان، يوم آخر لكمين المضاد للدروع لقافلة دفعاتي قرب قرية غجر. والميزان المرحلي قد يبدو إيجابيا بالإجمال: إسرائيل (حسب منشورات أجنبية) وجهت ضربة استراتيجية للقيادة الجديدة للبنية الإرهابية في الجولان. في الرد، تلقت ضربة تكتيكية في القافلة. صحيح وقعت ضحايا في الأرواح، لكن إسرائيل مستعدة لضبط نفسها من أجل استعادة الهدوء.
وتنبغي الإشارة إلى أن هذه نظرة عبر مصفاة وردية جدية لما جرى. طوال عشرة أيام حافظ الجيش الإسرائيلي على حالة تأهب قصوى ورغم ذلك تلقى ضربة مترافقة بإصابات. والتصعيد والثمن يثيران مرة أخرى تساؤلات عما إذا كانت العملية في 18 كانون الثاني مبررة وإذا لم يكن بالوسع تجنبها، بالنظر لتهديدات نصر الله وبوجود الجنرال الإيراني في القافلة.
وفي ساعات ما بعد كمين مضاد الدروع، تعاطت وسائل الإعلام الإسرائيلية مطولا مع بعدين مركزيين: شدة الهجوم المضاد الإسرائيلي (عدد من مذيعي التلفزيون بالغوا في وصف ما جرى على أرض لبنان) وإرسال جنود في عربة غير مدرعة، إلى مزارع شبعا. عمليا، رد الجيش الإسرائيلي على الكمين كان هامشيا وأوضح لـ«حزب الله» من المراحل الأولى، قبيل تبادل الرسائل السياسية، أن وجهة إسرائيل هي احتواء التوتر. وبشأن القافلة، فإن سيارات الجيب المحصنة ضد الإطلاقات لا تصمد في معظم الحالات أمام صواريخ مضادة للدروع مثل الكورنيت. والأسئلة الواجب فحصها هي، هل في ضوء التوتر وواقع أن القطاع مهدد جدا كانت هناك حاجة لإرسال خمس عربات في طريق مكشوف جزئيا لـ«حزب الله» وهل تم بشكل مناسب تحليل خطوط الرؤية من لبنان وقوس مدى النيران من لبنان، في ضوء الانذارات بشأن إطلاق مضادات دروع في المنطقة. فعندما تتوفر إنذارات فورية للضرب على الحدود، فإن الميل هو تقليل التحركات لتقليل التعرض للإصابة. بكلمات أخرى، يبدو أن الجيش الإسرائيل وضع هنا أهدافا مريحة جدا لـ«حزب الله»، في مهمة ربما لم تكن حيوية جدا له.
لقد تحدث نصر الله أمس (الجمعة) لأول مرة منذ الاغتيال في سوريا ورد «حزب الله» في سفوح مزارع شبعا. في خطاب ألقاه في بيروت في مهرجان لذكرى القتلى في عملية الاغتيال قرب القنيطرة قال إن «من حقنا الشرعي والقانوني أن نواجه العدوان أيا كان هذا العدوان وفي أي زمان وأي مكان وكيفما كان. انتهت لعبة أنتم تهاجمون ونحن نرد. اننا الآن في قواعد لعب أخرى». وضمن اعتباراته، في قرار الرد بشكل محدود ومركز في قاطع يسميه «مزارع شبعا»، لعب دورا مركزيا ما يحدث إلى الشمال من ذلك، على حدود سوريا مع البقاع اللبناني. في الشهور الأخيرة نشر حزب الله شبكة مواقع، تشبه مواقع الجيش الإسرائيلي في طابعها، بهدف تحصين السيطرة على الحركة من سوريا وإليها. لكن «حزب الله» يخشى أن خصومه، من المنظمات السنية المتطرفة، سيعملون ضده بحركة كماشة من الأراضي السورية، جنوبا وشمالا، إلى لبنان. وهذه هي المعركة المباشرة المنزعج منها، لا أقل من المواجهة مع إسرائيل.
في كلام التهدئة السريع من الجانب الإسرائيلي بعد العملية أمس الأول، قيل مرارا وتكرارا إن «حزب الله» يسعى لإنهاء جولة الضربات الحالية والعودة إلى الهدوء. أما ما لم يذكر أبدا، فهو دور إيران في المعادلة. فقد ضاءلت طهران نسبيا من إظهار قضية الجنرال في الجولان، لكن هذا لا يعني أن الحساب مقفل من ناحية الإيرانيين. فردهم على اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» عباس الموسوي العام 1992، في الهجمتين في الأرجنتين، امتد على مدى عامين. وهذه المرة، إذا ما طارت سفارة إسرائيلية في مكان ما في أميركا الجنوبية بعد شهور عدة، يمكن حينها التقدير من سقف خلف العملية، حتى إذا لم يعلن أحد مسؤوليته عن ذلك.
ورغم الهدنة البادية في الشمال، تحسن رؤية الأمور بوعي. ما بدأ بالإغارة على قوافل الأسلحة وإطلاق الكاتيوشا ردا على ذلك، تدهور حاليا لاغتيالات قادة في سوريا وكمائن في مزارع شبعا. ويبدو أن نقطة التصعيد المقبلة ستبدأ في مكان انتهاء التصعيد الحالي، ربما بعد أسابيع أو شهور. ومن الجائز إجرائيا حتى إذا كان الاغتيال أسكت قيادة بنية «حزب الله» في سوريا، فإنه عمليا عزز رغبة المعسكر الراديكالي بقيادة إيران لفتح الجولان ومزارع شبعا للمواجهة المستقبلية.
وحتى الآن فاقت المصلحة الاستراتيجية للطرفين على الاعتبارات الأخرى ومنعت التدهور، لكن لا ينبغي تجاهل احتمال انفجار حرب في الشمال لاحقا في ضوء تراكم العوامل المتفجرة في المنطقة. أحد الأبعاد المزعجة، بنظرة مستقبلية، يتعلق بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية التي حرص رئيس الحكومة في الأسابيع الأخيرة على تخريبها بخطابه المخطط له في الكونغرس.
في كل حال تصعيد في الشمال، سوف تحتاج إسرائيل إلى سند أميركي قوي، سواء دبلوماسيا أو لتزويدها بالأسلحة وقطع الغيار. في الحرب الأخيرة في غزة أثبتت إدارة أوباما أنها قادرة على التعامل ببطء مثير للغضب في نقل المساعدة المطلوبة عندما لا يكون سلوك إسرائيل مريحا لها. في سيناريو حربي في الشمال، هذا قد يخلق مشكلة عسيرة.

عاموس هارئيل
«
هآرتس» 30-1-2015